مجمع البحوث الاسلامية
176
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عليه أن يرجع على نفسه بالمحاسبة والمعاتبة كلّما أصابته سيّئة ، ليعتبر بها ويزداد علما وكمالا ، فهذه الآية أصل من أصول علم الاجتماع وعلم النّفس ، فيها شفاء للنّاس من أوهام الوثنيّة ، وتثبيت في مقام الإنسانيّة . ( 5 : 268 ) نحوه المراغيّ ( 5 : 96 ) ، وابن عاشور ( 4 : 194 ) . الطّباطبائيّ : [ سبق في تفسير الآية السّابقة ] ( 5 : 8 ) مغنيّة : قدّمنا أنّ المراد بالحسنة في الآية الأولى : خير الطّبيعة ، وبالسّيّئة : شرّها ، وأنّهما من ظواهر الطّبيعة ، وهي من صنع اللّه ، فصحّت نسبتهما إليه تعالى بهذا الاعتبار . أمّا المراد بالحسنة في الآية الثّانية ، فهو نجاح المرء في هذه الحياة دينا ودنيا ، والمراد بالسّيّئة فشله وخذلانه فيهما . وقد نسب اللّه سبحانه هذا النّجاح المعبّر عنه بالحسنة ، نسبه إلى نفسه بالنّظر إلى أنّه تعالى قد زوّد الإنسان بالصّحّة والإدراك ، وأمره بالعمل من أجل سعادته في الدّارين ، فإن امتثل وعمل وبلغ النّجاح نسب نجاحه إلى اللّه ، لأنّه هو الّذي أقدره عليه ، وزوّده بأدواته ، وبهذا اللّحاظ قال تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . ( 2 : 386 ) نحوه فضل اللّه . ( 7 : 363 ) عبد الكريم الخطيب : هو استكمال للصّورة الّتي يتحدّد بها موقف الإنسان من الكسب ، ومدى مسؤوليّته فيما يعمل من خير أو شرّ ، ومن حسن أو قبيح . فقد بيّن اللّه في قوله سبحانه : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أنّ كلّ شيء يقع في هذا الوجود هو بتقديره ، وعن علمه ، وبإرادته وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ الأنعام : 59 . وهذا - على إطلاقه - يعني أنّ الإنسان لا كسب له ، وإنّما هو وما يقع منه من أعمال ، ليس إلّا مظهرا لإرادة اللّه ، وإعلانا لما قضت به مشيئته ، وهذا يعني أيضا أنّ الإنسان غير مسؤول عن غيّه أو رشاده ، وكفره أو إيمانه ؛ إذ لا إرادة له ، مع تلك الإرادة الإلهيّة الغالبة ، ولا مشيئة مع تلك المشيئة العلويّة القاهرة . ولكن واقع الإنسان ينبئ عن أنّه ذو إرادة وذو مشيئة ، وأنّه يريد ويشاء ، وأنّه يقف بين طريقي الخير والشّرّ ، فيريد هذا الطّريق أو ذاك ، حسب تقديره ، ويرتضي الكفر أو الإيمان ، حسب مشيئته . ليس هناك قوّة ظاهرة تحمله على أيّ الأمرين ، وإنّما ذلك إلى إرادته ومشيئته . وإذن فهناك معادلتان يراد التّوفيق بينهما : معادلة تقول : الخير والشّرّ جميعا من عند اللّه قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، والمعادلة الأخرى تقول : الخير من عند اللّه ، والشّرّ من عمل الإنسان ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . والحقّ أنّه مع النّظر والتّأمّل نجد أنّه ليس هناك معادلتان ، بل هما معادلة واحدة ، وأنّ قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ هي نفس ما تضمّنه قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ